السيد محمد الصدر
180
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين ( ع )
أن يفدي لها الإنسان كل هذه الأمور مهما عظمت أهميتها وقدسيتها ، اجتماعياً أو إلهياً . أو قل : دينياً أو دنيوياً . فكل شيء رخيص أمام الله تعالى من مال وجهد ونفس ونفيس ونساء وأطفال ورجال ، شيباً وشباناً ، على ما حدث فعلًا في واقعة الطف . فإن عطفنا على ذلك ما روي عن زينب الكبرى ( س ) أنها وضعت كفيها تحت الجثمان المقدس وقالت : ( اللهم تقبل منا هذا القربان القليل ) « 1 » على ما في بعض الروايات من وجود صفة ( القليل ) ونحن نتكلم على كلا التقديرين . فعلى تقدير أن يكون ( القليل ) فيها فيبدو من الدلالة الإلتزامية أو الدلالة السياقية لهذا الكلام ، وهي دلالة أكيدة وواضحة ، وهي إدراك زينب ( س ) لحقيقة الموقف . أي إدراكها لنسبة شهادة الحسين ( ع ) إلى الله تعالى ، وإلى عظمته وارتفاع شأنه وكونه الوجود اللامتناهي . فإذا أدركت الجانب الرئيسي من العظمة الإلهية ، والأهمية الإلهية ، ستكون حادثة الطف بكل تفاصيلها بما فيها شهادة الحسين ( ع ) بصفته إماماً مفترض الطاعة ومعصوماً وابن رسول الله ( ص ) أمراً يسيراً وهيناً بإزاء العظمة اللامتناهية للخالق سبحانه وتعالى . لأن مصرع الحسين ( ع ) مهما كان عظيماً فهو محدود والمحدود إذا نسب إلى اللامحدود يكون صفراً . وأما على تقدير عدم وجود صفة ( القليل ) أمكن تفسيرها بتفسير آخر . وهو أنهم ( ع ) يدركون تدني شأنهم عن عظمة الله عز وجل إلى حد من المحتمل أن لا يلتفت الله إليهم - لو صح التعبير - ولا يتقبل منهم أعمالهم ، ولا يهتم بشأنهم . فإنهم - حسب هذه الفكرة - من الضآلة بحيث لا يستحقون الالتفات
--> ( 1 ) الكبريت الأحمر ج 3 ص 13 نقلًا عن مقتل المقرم ص 307 . .